المظلوم
10-21-2005, 09:43 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
التطرف في اللغة معناه الوقوف، أو الجلوس في الطرف، وأصل الكلمة في الحسيات، ثم انتقل إلى المعنويات، كالتطرف في الدين، أو الفكر أو السلوك، وبهذا المعنى فإنه بعيد عن الوسط، وبالتالي أكثر تعرضاً للخطر والهلاك، وأبعد ما يكون عن الحماية والأمان، وهو يعني الغلو والتشدد والتنطع.
وعلى الرغم من أن ديننا الحنيف، بمصادره المتعددة، يحذر من التطرف، وينفّر أشد النفور من الغلو والتشدد، ويدعو إلى الوسطية في كل شيء، في الاعتقاد والتعبد والسلوك والأخلاق وفي التشريع، إلا أن انتشار ظاهرة التطرف والغلو في مجتمعنا، الذي لا يعرف تعدد المذاهب أو الطوائف، ويبعد كل البعد عن الظواهر الشاذة التي ابتليت بها المجتمعات الأخرى، التي ترعرت فيها الملل والنحل والعقائد المتباينة، والتي تفشى فيها التعصب للرأي، واشتد فيها الجدل والخلاف ـ كل ذلك يدعونا إلى الانتباه، ويدعونا إلى دراسة الظاهرة، والوقوف على أصل هذا الداء، وتشخيصه تشخيصاً صحيحاً، وهذا أمر جدير بالاهتمام والرعاية، كما يجب أن تتظافر الجهود لإيجاد الحلول المناسبة لعلاج هذه الظاهرة.
1 ـ أسباب انتشار ظاهرة التطرف الديني :
إن الأسباب كثيرة ومتعددة، منها ما يخص المجتمع والمحيط الاجتماعي، ومنها ما يخص الشخص ذاته، ومنها :
v غياب الوعي الديني والفهم العميق للنصوص الشرعية، وتلقي الفتوى من غير المتخصصين، والملتزمين سلوكاً وقولاً ـ أدى إلى الخلط والفوضى في المفاهيم، وبالتالي انعدم الوسط الثقافي الديني السليم في المجتمع، كل ذلك أدى إلى خلق وسط بديل للشباب، يشبعون فيه أهواءهم ونزواتهم.
v فراغ الوسط الثقافي من الأكفاء:
عادةً ما ينقاد الناس إلى الواعظ الكفء الملتزم ؛ لأنهم يرون فيه صورتهم التي يحلمون بها، فيلتفون حوله وينصرفون عن الوعاظ الآخرين، لعدم ثقتهم بهم. لذلك فإن اعتلاء المنابر، والتصدي لحلقات الدرس من غير أهل الاختصاص، حيث تحدث قطيعة بين المتحدث والمستمعين، فيلتجئون إلى بدائل أخرى، تشبع نهمهم مثل الأشرطة الدينية والثقافية، غير الخاضعة للرقابة والتمحيص، فيتهافتون عليها بشكل مثير، ويتبادلونها فيما بينهم، وهكذا تنشأ ثقافة بين هذه الأجيال، غير مسيطر عليها، فيجنحون إلى الانحراف، ويصعب العلاج.
v ضعف الإعلام الجماهيري في مواجهة هذه الظاهرة:
من بديهيات الأشياء أن الفكرة لا تقارعها إلا فكرة، حيث أن مصدر هذا التطرف هو الفكر، ولهذا لا يمكن التصدي له إلا بالفكر، ولا تقاوم الشبهة إلا بالحجة، ومن الخطأ مقاومته بالشدة والبطش من البداية، بل من الواجب مخاطبة العقول أولاً، ولما كان الإعلام الجماهيري، بوسائله المتنوعة خير أداة لخوض مثل هذه المعارك، فإن ضعفه في تناول هذه الموضوعات ومعالجتها، جعل المجتمع يفقد أقوى أسلحته في مواجهة التطرف.
v الجرأة من غير أهل الاختصاص على معالجة الموضوعات الدينية:
إن ضعف البصيرة بحقيقة الدين، وقلة الفهم للفقه الإسلامي من غير أهل الاختصاص، وعدم التعمق في فهم أسراره، والوصول إلى فهم مقاصده، وعدم الإلمام بأسرار اللغة ـ كل ذلك يقودنا إلى معارك جانبية بعيدة كل البعد، عن قضايانا الكبرى التي تنطق بكينونة الأمة وهويتها ومصيرها. فترى منهم من يقيم الدنيا، ويقعدها من أجل حلق اللحية، أو الأخذ منها، أو إسبال الثياب، أو تحريك الإصبع في التشهد، أو اقتناء الصور الفوتوغرافية، أو نحو ذلك من المسائل التي طال فيها الجدل، وكثر فيها القيل والقال، هذا في الوقت الذي تزحف فيه العلمانية، وينتشر فيه الإلحاد والتبشير المسيحي، وتتعرض الأقطار الإسلامية للغزو الفكري والثقافي، الأمر الذي يدعونا إلى الاهتمام، وتوحيد الجهود للتصدي لهذا الغزو، والهيمنة الاستعمارية.
ما يخص الشباب في ذاتهم:
إن التدين في الإنسان غريزة، تحتاج إلى اشباع، شأنها شأن الغرائز الأخرى، وعدم إشباعها يؤدي إلى قلق واضطراب نفسي ؛ ووفقاً لذلك فإن ما نراه من جنوح نحو الدين، بشكل مبالغ فيه إلى حد التطرف، يمكن تفسيره بأنه نزوة تحتاج إلى إشباع، قد تكون عابرة تنتهي بعد أقل إشباع، وقد تستبد بصاحبها وتتمكن منه، فلا تنتهي إلا بإشباع متواصل، وهذه النزوة تنجم غالباً عن أحد أمرين:
v فراغ روحي يحيط بالمرء.
v بطالة وعدم وجود سبل للرزق وكسب العيش.
وهذان سيؤديان في نهاية المطاف، إلى أحد شيئين : إما إفراط في التدين لإثبات الذات، وإظهارها بأنها متميزة ومحط أنظار الآخرين، فيحقق ذلك في نفس صاحبها، شيئاً من الرضى والاطمئنان ، وإما التفريط الذي يؤدي إلى الكفر والإلحاد، فلا تبقى للقيم والفضائل مكانة في نفوس هؤلاء، وقد يلجأ إلى الهروب من الواقع، واللجوء إلى تعاطي المسكرات والمخدرات، والنتيجة النهائية شاب مدمن محطم لا خير فيه.
2 ـ موقف الإسلام من التطرف:
الإسلام ينفر أشد النفور من الغلو، ويحذر منه، يقول الحق سبحانه وتعالى: ]قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [ (سورة المائدة/77). وفي السنة النبوية أكثر مما يحصى. روى أبو يعلى في سنده عن أنس بن مالك: أن رسول الله r كان يقول: (( لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإن قوماً شددوا على أنفسهم، فشدد عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم )). من أجل ذلك قاوم النبي r كل اتجاه، ينزع إلى الغلو في التدين والفكر، على من بالغ من أصحابه في التعبد والتقشف، مبالغة تخرجه عن الاعتدال الذي جاء به الإسلام.
3 ـ منهج الإسلام:
منهج الإسلام هو الوسطية في كل شيء، وهذه الوسطية هي التي سمّاها الله الصراط المستقيم، وهو منهج متميز من طرق أصحاب الديانات والفلسفات الأخرى، ومن المغضوب عليهم ومن الضالين، وهي إحدى الخصائص العامة للإسلام، التي ميّز الله بها أمة الإسلام عن غيرها، يقول الله سبحانه وتعالى: ] وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [ (سورة البقرة/143) فهي أمة العدل، والاعتدال التي تشهد في الدنيا، والآخرة عن كل انحراف يميناً أو شمالاً عن خط الوسط المستقيم.
4 ـ مظاهر التطرف:
v من مظاهر التطرف التعصب للرأي، وعدم الاعتراف بالرأي الآخر، وهو التعصب للرأي تعصباً لا يعترف معه للآخرين بوجود، وكذلك جمود الشخص على فهمه جموداً، لا يسمح له برؤية واضحة لمصالح الخلق، ولا مقاصد الشرع، ولا ظروف العصر، ولا يفتح نافذة للحوار؛ ليقارن ما عنده بما عند الآخرين، ثم يختار ما هو أرجح ميزاناً.
v إلزام عامة الناس بما لم يلزمهم الله:
وهو إلزام التشدد دائماً مع قيام موجبات التيسير، مع إلزام الآخرين به، وإن أعتنهم وأحرجهم، وترك ما هو أرفق لهم، وما يرفع الحرج عنهم في ضوء مقاصد الشريعة وأحكامها.
v التشدد في غير محله:
ويكون في غير مكانه وزمانه، كأن يكون في غير ديار الإسلام، أو في قوم حديثي العهد بالإسلام، أو حديثي العهد بالتوبة.
v الغلظة والخشونة في التعامل مع الآخرين، والفظاظة في الدعوة:
فالله يأمرنا أن ندعو بالحكمة والموعظة الحسنة، يقول الحق: ] ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ (سورة النحل/125) ولم يذكر القرآن الغلظة والشدة إلا في موضعين اثنين، الأول: عند مواجهة الأعداء حيث يتطلب الصلابة والقوة، وعزل مشاعر اللين، حتى تضع الحرب أوزارها، وفي هذا يقول الحق تعالى: ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً [ (سورة التوبة/123). والثاني: في تنفيذ العقوبات الشرعية على مستحقيها، حيث لا مجال لعواطف الرحمة في إقامة حدود الله، يقول الحق تعالى: ] وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [ (سورة النور/2) ويقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ((ما دخل الرفق في شيء إلا زانه ولا دخل العنف في شيء إلا شانه)).
v سوء الظن بالناس:
الأصل في المتطرف هو الاتهام، والأصل في الاتهام الإدانة، خلاف ما تقرره الشرائع والقوانين: أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته. ومن خالف هؤلاء في رأي أو سلوك، تبعاً لوجهة نظر عنده، أُتهم في دينه بالمعصية، أو الابتداع أو احتقار السنة، أو ما شاء له من سوء الظن.
v السقوط في هاوية التكفير:
ويبلغ هذا التطرف غايته حين يسقط عصمة الآخرين، ويستبيح دماءهم وأموالهم، ولا يرى لهم حرمة ولا ذمة.
5 ـ عيوب التطرف:
1. إنه منفر ، لا تحتمله طبيعة البشر العادية، ولا تصبر عليه، ولو صير عليه قليل منهم، لم يصبر عليه جمهورهم، والشرائع السماوية جاءت لتخاطب كل الناس.
2. إنه قصير العمر، والاستمرار عليه غير متيسر، والإنسان بطبيعته ملول، وطاقته محدودة، فإن صبر يوماً على كل التشدد والتعسير، فسرعان ما يكل، وقد يأخذ طريقاً آخر، وينتقل من الإفراط إلى التفريط، ومن التشدد إلى التيسير.
3. إن الغلو في الدين لا يخلو من جور على حقوق أخرى، يجب أن تؤدى أو تراعى، وما أصدق ما قاله أحد الحكماء: ما رأيت إسرافاً إلا وبجانبه حق مضاع.
6 ـ العلاج:
v التعامل مع ظاهرة الغلو والتطرف عقلانياً، ومعنى ذلك أن ننظر إليها نظرة واقعية، باعتبارها ظاهرة موجودة، ولا بد من التعامل معها، حتى يتم احتواؤها، وبالعقل وحده يمكن الاهتداء إلى العلل الحقيقية الكامنة، وراءها، وعدم الانسياق وراء أحكام آنية، تنجم عادةً من موقف عاطفي متشدد، ولا تصدر من دراسة متأنية مستبصرة.
v ملء الفراغ الروحي، وذلك من خلال:
v عقد المحاضرات الدينية والتثقيفية على مدار السنة.
v إعداد الخطباء الأكفاء.
v استغلال المناسبات الدينية كشهر رمضان مثلاً لعقد الندوات والدروس الدينية.
v استكتاب علماء أجلاء لمعالجة موضوعات مهمة مثل: التعصب الديني، التعصب المذهبي، أسباب الاختلاف بين الفقهاء، الخلاف المشروع وغير المشروع، المعنى القرآني للدين والتدين، محاربة البدع والخرافات، معنى العقيدة الصحيحة.
v الإكثار من تأسيس المنارات العلمية.
v توظيف الإعلام بأجهزته المختلفة ووسائله لخلق وعي ديني سليم.
v تشجيع الكتاب الإسلامي.
v القضاء على البطالة وإيجاد فرص العمل.
v تشجيع الرياضة ودعم الأندية.
v إقامة المعسكرات الصيفية للتثقيف والترويح.
v دعم الهيئة العامة للأوقاف.
v تمكين القدوة والأسوة الحسنة من مواقع العمل والمسؤولية ومجتمعنا في أمس الحاجة إلى القدوة، في المسلك والمهارة في الأداء، والناس تريد رؤية أفعال تطبق، لا أقوال.
7 ـ وخلاصة القول:
إن معالجة هذه الوقائع بالعقل لهي خير سبيل لاستئصال شأفة كل تطرف أو انحراف، وهؤلاء الذين يمكن أن ينعتوا بالتطرف الديني، مع التأكيد على أنهم حالات فردية، هم أناس يحتاجون إلى رعايتنا واهتمامنا، كالمريض الذي يحرص أهله وذووه عليه، ويبحثون له عن الدواء الناجح لإسعافه، ويخففون آلامه، ولا يفكرون في نبذه، وأننا لن نيأس بعد من علاجهم، وحسبنا أن الله سبحانه وتعالى يخاطب نبيه قائلاً: ] وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [ (سورة آل عمران/159) وبعد ذلك تقول الحكمة: الكي آخر الدواء.
(http://www.asmarya.com/myweb4/interest.htm)
التطرف في اللغة معناه الوقوف، أو الجلوس في الطرف، وأصل الكلمة في الحسيات، ثم انتقل إلى المعنويات، كالتطرف في الدين، أو الفكر أو السلوك، وبهذا المعنى فإنه بعيد عن الوسط، وبالتالي أكثر تعرضاً للخطر والهلاك، وأبعد ما يكون عن الحماية والأمان، وهو يعني الغلو والتشدد والتنطع.
وعلى الرغم من أن ديننا الحنيف، بمصادره المتعددة، يحذر من التطرف، وينفّر أشد النفور من الغلو والتشدد، ويدعو إلى الوسطية في كل شيء، في الاعتقاد والتعبد والسلوك والأخلاق وفي التشريع، إلا أن انتشار ظاهرة التطرف والغلو في مجتمعنا، الذي لا يعرف تعدد المذاهب أو الطوائف، ويبعد كل البعد عن الظواهر الشاذة التي ابتليت بها المجتمعات الأخرى، التي ترعرت فيها الملل والنحل والعقائد المتباينة، والتي تفشى فيها التعصب للرأي، واشتد فيها الجدل والخلاف ـ كل ذلك يدعونا إلى الانتباه، ويدعونا إلى دراسة الظاهرة، والوقوف على أصل هذا الداء، وتشخيصه تشخيصاً صحيحاً، وهذا أمر جدير بالاهتمام والرعاية، كما يجب أن تتظافر الجهود لإيجاد الحلول المناسبة لعلاج هذه الظاهرة.
1 ـ أسباب انتشار ظاهرة التطرف الديني :
إن الأسباب كثيرة ومتعددة، منها ما يخص المجتمع والمحيط الاجتماعي، ومنها ما يخص الشخص ذاته، ومنها :
v غياب الوعي الديني والفهم العميق للنصوص الشرعية، وتلقي الفتوى من غير المتخصصين، والملتزمين سلوكاً وقولاً ـ أدى إلى الخلط والفوضى في المفاهيم، وبالتالي انعدم الوسط الثقافي الديني السليم في المجتمع، كل ذلك أدى إلى خلق وسط بديل للشباب، يشبعون فيه أهواءهم ونزواتهم.
v فراغ الوسط الثقافي من الأكفاء:
عادةً ما ينقاد الناس إلى الواعظ الكفء الملتزم ؛ لأنهم يرون فيه صورتهم التي يحلمون بها، فيلتفون حوله وينصرفون عن الوعاظ الآخرين، لعدم ثقتهم بهم. لذلك فإن اعتلاء المنابر، والتصدي لحلقات الدرس من غير أهل الاختصاص، حيث تحدث قطيعة بين المتحدث والمستمعين، فيلتجئون إلى بدائل أخرى، تشبع نهمهم مثل الأشرطة الدينية والثقافية، غير الخاضعة للرقابة والتمحيص، فيتهافتون عليها بشكل مثير، ويتبادلونها فيما بينهم، وهكذا تنشأ ثقافة بين هذه الأجيال، غير مسيطر عليها، فيجنحون إلى الانحراف، ويصعب العلاج.
v ضعف الإعلام الجماهيري في مواجهة هذه الظاهرة:
من بديهيات الأشياء أن الفكرة لا تقارعها إلا فكرة، حيث أن مصدر هذا التطرف هو الفكر، ولهذا لا يمكن التصدي له إلا بالفكر، ولا تقاوم الشبهة إلا بالحجة، ومن الخطأ مقاومته بالشدة والبطش من البداية، بل من الواجب مخاطبة العقول أولاً، ولما كان الإعلام الجماهيري، بوسائله المتنوعة خير أداة لخوض مثل هذه المعارك، فإن ضعفه في تناول هذه الموضوعات ومعالجتها، جعل المجتمع يفقد أقوى أسلحته في مواجهة التطرف.
v الجرأة من غير أهل الاختصاص على معالجة الموضوعات الدينية:
إن ضعف البصيرة بحقيقة الدين، وقلة الفهم للفقه الإسلامي من غير أهل الاختصاص، وعدم التعمق في فهم أسراره، والوصول إلى فهم مقاصده، وعدم الإلمام بأسرار اللغة ـ كل ذلك يقودنا إلى معارك جانبية بعيدة كل البعد، عن قضايانا الكبرى التي تنطق بكينونة الأمة وهويتها ومصيرها. فترى منهم من يقيم الدنيا، ويقعدها من أجل حلق اللحية، أو الأخذ منها، أو إسبال الثياب، أو تحريك الإصبع في التشهد، أو اقتناء الصور الفوتوغرافية، أو نحو ذلك من المسائل التي طال فيها الجدل، وكثر فيها القيل والقال، هذا في الوقت الذي تزحف فيه العلمانية، وينتشر فيه الإلحاد والتبشير المسيحي، وتتعرض الأقطار الإسلامية للغزو الفكري والثقافي، الأمر الذي يدعونا إلى الاهتمام، وتوحيد الجهود للتصدي لهذا الغزو، والهيمنة الاستعمارية.
ما يخص الشباب في ذاتهم:
إن التدين في الإنسان غريزة، تحتاج إلى اشباع، شأنها شأن الغرائز الأخرى، وعدم إشباعها يؤدي إلى قلق واضطراب نفسي ؛ ووفقاً لذلك فإن ما نراه من جنوح نحو الدين، بشكل مبالغ فيه إلى حد التطرف، يمكن تفسيره بأنه نزوة تحتاج إلى إشباع، قد تكون عابرة تنتهي بعد أقل إشباع، وقد تستبد بصاحبها وتتمكن منه، فلا تنتهي إلا بإشباع متواصل، وهذه النزوة تنجم غالباً عن أحد أمرين:
v فراغ روحي يحيط بالمرء.
v بطالة وعدم وجود سبل للرزق وكسب العيش.
وهذان سيؤديان في نهاية المطاف، إلى أحد شيئين : إما إفراط في التدين لإثبات الذات، وإظهارها بأنها متميزة ومحط أنظار الآخرين، فيحقق ذلك في نفس صاحبها، شيئاً من الرضى والاطمئنان ، وإما التفريط الذي يؤدي إلى الكفر والإلحاد، فلا تبقى للقيم والفضائل مكانة في نفوس هؤلاء، وقد يلجأ إلى الهروب من الواقع، واللجوء إلى تعاطي المسكرات والمخدرات، والنتيجة النهائية شاب مدمن محطم لا خير فيه.
2 ـ موقف الإسلام من التطرف:
الإسلام ينفر أشد النفور من الغلو، ويحذر منه، يقول الحق سبحانه وتعالى: ]قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [ (سورة المائدة/77). وفي السنة النبوية أكثر مما يحصى. روى أبو يعلى في سنده عن أنس بن مالك: أن رسول الله r كان يقول: (( لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإن قوماً شددوا على أنفسهم، فشدد عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم )). من أجل ذلك قاوم النبي r كل اتجاه، ينزع إلى الغلو في التدين والفكر، على من بالغ من أصحابه في التعبد والتقشف، مبالغة تخرجه عن الاعتدال الذي جاء به الإسلام.
3 ـ منهج الإسلام:
منهج الإسلام هو الوسطية في كل شيء، وهذه الوسطية هي التي سمّاها الله الصراط المستقيم، وهو منهج متميز من طرق أصحاب الديانات والفلسفات الأخرى، ومن المغضوب عليهم ومن الضالين، وهي إحدى الخصائص العامة للإسلام، التي ميّز الله بها أمة الإسلام عن غيرها، يقول الله سبحانه وتعالى: ] وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [ (سورة البقرة/143) فهي أمة العدل، والاعتدال التي تشهد في الدنيا، والآخرة عن كل انحراف يميناً أو شمالاً عن خط الوسط المستقيم.
4 ـ مظاهر التطرف:
v من مظاهر التطرف التعصب للرأي، وعدم الاعتراف بالرأي الآخر، وهو التعصب للرأي تعصباً لا يعترف معه للآخرين بوجود، وكذلك جمود الشخص على فهمه جموداً، لا يسمح له برؤية واضحة لمصالح الخلق، ولا مقاصد الشرع، ولا ظروف العصر، ولا يفتح نافذة للحوار؛ ليقارن ما عنده بما عند الآخرين، ثم يختار ما هو أرجح ميزاناً.
v إلزام عامة الناس بما لم يلزمهم الله:
وهو إلزام التشدد دائماً مع قيام موجبات التيسير، مع إلزام الآخرين به، وإن أعتنهم وأحرجهم، وترك ما هو أرفق لهم، وما يرفع الحرج عنهم في ضوء مقاصد الشريعة وأحكامها.
v التشدد في غير محله:
ويكون في غير مكانه وزمانه، كأن يكون في غير ديار الإسلام، أو في قوم حديثي العهد بالإسلام، أو حديثي العهد بالتوبة.
v الغلظة والخشونة في التعامل مع الآخرين، والفظاظة في الدعوة:
فالله يأمرنا أن ندعو بالحكمة والموعظة الحسنة، يقول الحق: ] ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ (سورة النحل/125) ولم يذكر القرآن الغلظة والشدة إلا في موضعين اثنين، الأول: عند مواجهة الأعداء حيث يتطلب الصلابة والقوة، وعزل مشاعر اللين، حتى تضع الحرب أوزارها، وفي هذا يقول الحق تعالى: ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً [ (سورة التوبة/123). والثاني: في تنفيذ العقوبات الشرعية على مستحقيها، حيث لا مجال لعواطف الرحمة في إقامة حدود الله، يقول الحق تعالى: ] وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [ (سورة النور/2) ويقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ((ما دخل الرفق في شيء إلا زانه ولا دخل العنف في شيء إلا شانه)).
v سوء الظن بالناس:
الأصل في المتطرف هو الاتهام، والأصل في الاتهام الإدانة، خلاف ما تقرره الشرائع والقوانين: أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته. ومن خالف هؤلاء في رأي أو سلوك، تبعاً لوجهة نظر عنده، أُتهم في دينه بالمعصية، أو الابتداع أو احتقار السنة، أو ما شاء له من سوء الظن.
v السقوط في هاوية التكفير:
ويبلغ هذا التطرف غايته حين يسقط عصمة الآخرين، ويستبيح دماءهم وأموالهم، ولا يرى لهم حرمة ولا ذمة.
5 ـ عيوب التطرف:
1. إنه منفر ، لا تحتمله طبيعة البشر العادية، ولا تصبر عليه، ولو صير عليه قليل منهم، لم يصبر عليه جمهورهم، والشرائع السماوية جاءت لتخاطب كل الناس.
2. إنه قصير العمر، والاستمرار عليه غير متيسر، والإنسان بطبيعته ملول، وطاقته محدودة، فإن صبر يوماً على كل التشدد والتعسير، فسرعان ما يكل، وقد يأخذ طريقاً آخر، وينتقل من الإفراط إلى التفريط، ومن التشدد إلى التيسير.
3. إن الغلو في الدين لا يخلو من جور على حقوق أخرى، يجب أن تؤدى أو تراعى، وما أصدق ما قاله أحد الحكماء: ما رأيت إسرافاً إلا وبجانبه حق مضاع.
6 ـ العلاج:
v التعامل مع ظاهرة الغلو والتطرف عقلانياً، ومعنى ذلك أن ننظر إليها نظرة واقعية، باعتبارها ظاهرة موجودة، ولا بد من التعامل معها، حتى يتم احتواؤها، وبالعقل وحده يمكن الاهتداء إلى العلل الحقيقية الكامنة، وراءها، وعدم الانسياق وراء أحكام آنية، تنجم عادةً من موقف عاطفي متشدد، ولا تصدر من دراسة متأنية مستبصرة.
v ملء الفراغ الروحي، وذلك من خلال:
v عقد المحاضرات الدينية والتثقيفية على مدار السنة.
v إعداد الخطباء الأكفاء.
v استغلال المناسبات الدينية كشهر رمضان مثلاً لعقد الندوات والدروس الدينية.
v استكتاب علماء أجلاء لمعالجة موضوعات مهمة مثل: التعصب الديني، التعصب المذهبي، أسباب الاختلاف بين الفقهاء، الخلاف المشروع وغير المشروع، المعنى القرآني للدين والتدين، محاربة البدع والخرافات، معنى العقيدة الصحيحة.
v الإكثار من تأسيس المنارات العلمية.
v توظيف الإعلام بأجهزته المختلفة ووسائله لخلق وعي ديني سليم.
v تشجيع الكتاب الإسلامي.
v القضاء على البطالة وإيجاد فرص العمل.
v تشجيع الرياضة ودعم الأندية.
v إقامة المعسكرات الصيفية للتثقيف والترويح.
v دعم الهيئة العامة للأوقاف.
v تمكين القدوة والأسوة الحسنة من مواقع العمل والمسؤولية ومجتمعنا في أمس الحاجة إلى القدوة، في المسلك والمهارة في الأداء، والناس تريد رؤية أفعال تطبق، لا أقوال.
7 ـ وخلاصة القول:
إن معالجة هذه الوقائع بالعقل لهي خير سبيل لاستئصال شأفة كل تطرف أو انحراف، وهؤلاء الذين يمكن أن ينعتوا بالتطرف الديني، مع التأكيد على أنهم حالات فردية، هم أناس يحتاجون إلى رعايتنا واهتمامنا، كالمريض الذي يحرص أهله وذووه عليه، ويبحثون له عن الدواء الناجح لإسعافه، ويخففون آلامه، ولا يفكرون في نبذه، وأننا لن نيأس بعد من علاجهم، وحسبنا أن الله سبحانه وتعالى يخاطب نبيه قائلاً: ] وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [ (سورة آل عمران/159) وبعد ذلك تقول الحكمة: الكي آخر الدواء.
(http://www.asmarya.com/myweb4/interest.htm)